logoBIPM-RB  oiml

علم القياس (تعريفه –تاريخه – تطبيقاته)

مقــدمــة

يحق لنا كمسلمين أن نفخر بكتاب ربنا الكريم و حفاوته بهذا العلم (علم القياس) من خلال الإشارة إليه في عدة مواضع كقوله تعالى (و أقيموا الوزن بالقسط و لا تخسروا الميزان) . إن مفهوم علم القياس ينطلق من مبدأ تنشده البشرية جمعاء، ألا و هو مبدأ إقامة العدل، و الإنصاف في القياس، و الوزن بالقسط. و قد توعّد القرآن الكريم المتلاعبين بالمكيال و الميزان فقال تعالى: (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون و إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون. ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمين) .
إننا بلمحة تاريخية سريعة نستطيع أن نكشف مدى تطور ممارسات الإنسان في مجال الوزن و القياس عبر آلاف السنين من استخدام أدوات بدائية في مجال قياسات الأوزان والمكاييل و الأبعاد، إلى أن شهد العصر الحديث دخول مجالات متنوعة و تقنيات متطورة وصلت دقة القياس فيها إلى أقل من جزء من المليون في بعض المجالات، بل و إلى جزء من الألف مليون في مجالات أخرى.

تعريف علم القياس (Metrology)

تعرف كلمة (Metrology) بأنها علم القياس و تطبيقاته، فهو يشمل جميع مظاهر القياس النظرية و التطبيقية، بغض النظر عن مجال التطبيق أو نسبة اللاوثوقية . هو علم يُعنى بجميع المتطلبات التي يحتاجها الإنسان لضمان إجراء عمليات قياس صحيحة. و يمكن تقسيم هذه المتطلبات إلى ثلاثة محاور رئيسة وهي:

1. تعريف وحدات القياس حسب النظام الدولي لوحدات القياس (SI)، مثل المتر.
2. تحقيق وجود وحدات القياس على أرض الواقع من خلال طرق علمية مختلفة، مثل تحقيق وحدة المتر من خلال تقنية الليزر.
3. الاعتناء بمراجع القياس التي تتمثل فيها وحدات القياس من خلال تأسيس سلسلة إسنادية (Traceability) صحيحة لهذه المراجع، مع تحديد قيم الكميات المقاسة و مدى دقتها و توثيق نتائج عمليات القياس و المقارنات المختلفة المتعلقة بها، ثم نشر ما تم توثيقه و تسهيل الوصول إليه لكل من يحتاجه.

إن الإنسان لا يستغني عن هذا العلم لكي يقوم بقياسات صحيحة يتفاعل بها مع ما حوله مما سخره الله في هذا الكون من مخلوقات، و كذلك يستطيع أن يتواصل بها مع غيره من أفراد و من منظمات. تأمّل في تعاملات الناس فيما بينهم اليوم، لا تكاد تخلو معاملة أو مناقشة من الإشارة إلى مفردات علم القياس، كمقادير الكميات المختلفة من مسافة، أو وزن، أو حجم أو وقت و كذلك وحدات هذه الكميات، كالمتر و الجرام و اللتر و الساعة، بل لا تخلو أحاديثنا اليومية من أجزاء هذه الوحدات و مضاعفاتها.

"إن الغرض الرئيس من علم القياس هو فهم وإدراك الطرق الأساسية التي بواسطتها تتم عملية قياس الأشياء و ظواهرها و كذلك طرق تحديد قيم الكميات المقاسة و مدى صحة هذه القيم"

نشأة علم القياس

من الصعب تحديد متى استخدم الإنسان القياس لأول مرة، و لكن إذا علمنا مدى حاجة الإنسان إلى استخدام هذا العلم لتسخير ما حوله من مخلوقات يحتاجها لإدارة شؤون حياته، أيقنّا أن نشأة هذا العلم قديمة بقدم الإنسان نفسه، و خصوصا حينما بدأ يتفاعل مع ما حوله فينسج الملابس التي يستر بها سوءته من مواد مختلفة و يصنع الأدوات التي يُصلِح بها معاشه، كأدوات الطهي و الصيد و أدوات الدفاع عن النفس. و لعل من أقوى الإشارات التاريخية الدالة على قدم هذا العلم ، ما حكاه القرآن الكريم عن نبي الله شعيب الذي جاء يحذر قومه من الفساد و الغش في المكيال و الميزان إلى جانب  تحذيره من الفساد في المعتقد (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) .

mqias1

و مع تطور الإنسان و اتساع التعاملات التجارية بين الناس، تطور هذا العلم من خلال وضع المواصفات و المقاييس و مراجعها التي تضمن إقامة تبادلات تجارية عادلة.
تتحدث بعض المصادر عن بعض الممارسات التي تعكس مدى تطور هذا العلم عبر آلاف السنين، فقبل أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد، استخدم الفراعنة، أثناء تشييدهم للأهرامات، مرجعا أوليا للأبعاد لضمان الحصول على قياسات دقيقة تصل إلى (0.05 %).
و تتحدث مصادر أخرى عن تحديد البابليين لمجموعة من المراجع القياسية للأوزان لكي تستخدم في التعاملات التجارية، و قد أقر النظام الحاكم، في تلك الفترة، عقوبات صارمة لمن لا يستخدمون تلك المراجع.
بالرغم من أن الرصد التاريخي لنشأة و تطور القياس لم يخلُ من التعرض لجميع المحاور الثلاثة التي سبقت في تعريف علم القياس إلا أن هذه الممارسات أفرزت تعريفات و مراجع مختلفة لنفس الكمية، مما أدى إلى إشكاليات كبيرة عندما توسعت الرقعة الجغرافية للتبادلات التجارية على مستوى العالم. سنتحدث في مقال لاحق عن هذا الجانب بتفصيل أوسع.

تطبيقات علم القياس

يمكن تقسيم علم القياس من حيث التطبيق إلى ثلاث فئات:

1. القياس العلمي و يُعنى بتنظيم و تطوير و صيانة مراجع القياس.
2. القياس الصناعي: تهتم تطبيقات هذه الفئة بالتأكد من قيام أجهزة القياس بوظائفها بشكل كاف. لضمان جودة نتائج قياس هذه الأجهزة المستخدمة في عمليات الإنتاج، والفحص والاختبار و البحوث الأكاديمية.
3. القياس القانوني: تعتني هذه الفئة بالقياسات التي تؤثر على شفافية التبادلات التجارية، خاصة عندما يكون هناك مطالب قانونية و تشريعية للتأكد من دقة أجهزة القياس المستخدمة في التبادلات التجارية.

خـاتـمــــة

من خلال ما سبق من عرض يتبين أن علم القياس و جميع ما يشتمل عليه من موازين و مقاييس يمكن تصنيفه ضمن ضرورات الحياة للأفراد و المجتمعات البشرية. إنه يدخل في أولويات التعاملات الاقتصادية وكذلك ضمن اهتمامات الإنسان اليومية ولا نغفل عن أهميته في التطبيقات الصناعية. إن هذه المعرفة راسخة في الذاكرة بتطبيقاتها المألوفة المتماشية مع الوظائف التي يسير بها الإنسان في هذه الحياة. سنواصل الحديث بعون الله في المقال التالي عن عملية من أهم تطبيقات هذا العلم لنتعرف على ماهيتها وأركانها التي تقوم عليها والفرق بينها وبين عملية الضبط.

تعريف بالكاتب

waleed

وليـد بن محمـد بن حمد الفارس

- هندسة كهربائية، جامعة الملك فهد للبترول و المعادن.
- عضو مجلس الجودة السعودي.
- عضو الجمعية الأمريكية للجودة


 

المراجع:

1. القرآن الكريم
2. المرجع الدولي لمفردات علم القياس (VIM)
3. Metrology in Short, Preben Howarth and Feona Redgrave
4. Metrology Handbook, Jay Bucher
5. http://www.uchicago.edu/

JoomShaper